السيد الطباطبائي
218
تفسير الميزان
واستعدوا للرحيل ومن المعلوم من سياق القصة انه خاف على بنيه وهم أحد عشر عصبة لا من أن يراهم عزيز مصر مجتمعين صفا واحدا لأنه كان من المعلوم انه سيشخصهم إليه فيصطفون عنده صفا واحدا وهم أحد عشر اخوة لأب واحد بل انما كان يخاف عليهم ان يراهم الناس فيصيبهم عين على ما قيل أو يحسدون أو يخاف منهم فينالهم ما يتفرق به جمعهم من قتل أو أي نازلة أخرى . وقوله بعده : " وما اغنى عنكم من الله من شئ ان الحكم الا لله " لا يخلو من دلالة أو اشعار بأنه كان يخاف ذلك جدا فكأنه ( ع ) والله أعلم أحس حينما تجهزوا للسفر واصطفوا امامه للوداع احساس الهام ان جمعهم وهم على هذه الهيئة الحسنة سيفرق وينقص من عددهم فأمرهم ان لا يتظاهروا بالاجماع كذلك وحذرهم عن الدخول من باب واحد وعزم عليهم ان يدخلوا من أبواب متفرقة رجاء ان يندفع بذلك عنهم بلاء التفرقة بينهم والنقص في عددهم . ثم رجع إلى اطلاق كلامه الظاهر في كون هذا السبب الذي ركن إليه في دفع ما خطر بباله من المصيبة سببا أصيلا مستقلا ولا مؤثر في الوجود بالحقيقة الا الله سبحانه فقيد كلامه بما يصلحه فقال مخاطبا لهم " وما اغنى عنكم من الله من شئ " ثم علله بقوله ان الحكم الا لله أي لست ارفع حاجتكم إلى الله سبحانه بما أمرتكم به من السبب الذي تتقون به نزول النازلة وتتوسلون به إلى السلامة والعافية ولا احكم بان تحفظوا بهذه الحيلة فان هذه الأسباب لا تغنى من الله شيئا ولا لها حكم دون الله سبحانه فليس الحكم مطلقا الا لله بل هذه أسباب ظاهرية انما تؤثر إذا أراد الله لها ان تؤثر . ولذلك عقب كلامه هذا بقوله : " عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون " أي ان هذا سبب أمرتكم باتخاذه لدفع ما أخافه عليكم من البلاء وتوكلت مع ذلك على الله في اخذ هذا السبب وفي سائر الأسباب التي اخذتها في أموري وعلى هذا المسير يجب ان يسير كل رشيد غير غوى يرى أنه لا يقوى باستقلاله لإدارة أموره ولا ان الأسباب العادية باستقلالها تقوى على ايصاله إلى ما يبتغيه من المقاصد بل عليه ان يلتجئ في أموره إلى وكيل يصلح شأنه ويدبر امره أحسن تدبير فذلك الوكيل هو الله سبحانه القاهر الذي لا يقهره شئ الغالب الذي لا يغلبه شئ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .